صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
188
الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة
الفصل في الإشارة إلى المحبة الإلهية المختصة بالعرفاء الكاملين والأولياء الواصلين قد مر ان العشق الانساني على ثلاثة أقسام الأكبر والأوسط والأصغر وان الأكبر هو الاشتياق إلى لقاء الله والشهوة إلى عرفان ذاته وصفاته وافعاله من حيث هي افعاله فهذه الشهوة لم توجد لغير العارف وحال الناس كلهم في أشواقهم وشهواتهم إلى محبوباتهم ومرغوباتهم بالقياس إلى حال العارف كحال الصبيان في التذاذهم باللعب بالصولجان بالقياس إلى حال الرجال البالغين في أغراضهم ومستلذاتهم ورياساتهم فإنه لو خلق فيك شوق إلى الله تعالى وشهوة لمعرفة جماله وجلاله وهو أصدق الشهوات وأحق اللذات لكنت تؤثرها على كل الخيرات وتختار جنه المعرفة ورياض الحكمة وثمراتها على الجنة التي فيها قضاء الشهوات الحسية والخيالية ولكن هذه الشهوة وهذه الإرادة لم تخلق لعوام الناس ولا لأكثر الخاصين الذين يعدون أنفسهم من أهل الفضيلة الا من يندر وجوده من الراسخين في العلم وكما أن شهوة النكاح وشهوة الرياسة خلقت فيك ولم تخلق في الصبيان الا شهوة اللعب بالصولجان ونحوه وأنت تتعجب في عكوفهم على لذه اللعب وخلوهم عن لذه الرياسة فهكذا العارف يتعجب منك ومن نظراءك في عكوفهم على لذه الجاه والرياسة فان الدنيا بحذافيرها عند العارف لهو ولعب . ولما خلق الله هذا العشق للعارفين كان شوقهم بقدر عشقهم وشهوتهم بقدر معرفتهم ولا نسبه لاشتياقهم وشهوتهم إلى لذه الشهوات الحسية سواء كانت في الدنيا أو في الآخرة فان لذاتهم بالمعرفة لذه لا يعتريها الزوال ولا يفترها الملال بل لا يزال يتضاعف ويترادف بزيادة المعرفة والاستغراق فيها بخلاف سائر الشهوات الا ان هذا العشق لا يخلق في الانسان الا بعد ان يمر عليه نشأت ويتحول بأحوال كثيره وينتقل من حد الحيوانية إلى حد المليكه كما ينتقل نطفة الحيوان من حد الجمادية والنباتية إلى حد الحيوانية وكما ينتقل الادمى من حد الصيبوبه إلى حد البلوغ الصوري وصار معدودا من الرجال البالغين الكاملين في الشهوة فهكذا مادة العقل